السبت، 24 مارس، 2012

اسحاق الأغبري .. التخريب .....الإصلاح التخريب .. الإصلاح



يبدو ان هناك خلل معيّن في فهمنا للتخريب ، أدّى الى الكثير من الأحكام السطحيّة مما يستجدي بيان ماهيّة التخريب .دعونا أيّها الأحبّة الكِرام نتحدَّث عن التخريب بشيء من الإسهاب حتى تظهر لنا بعضُ التجليّات المهمّة ، تُعيدُ لنا النّظر في الحكم على المخرِّب الحقيقي ، وتوضِّح أن مسألة التخريب متعدّدة الزوايا ومتداخلة الأطراف ، يصعُب تحديد المسبِّب الأصلي بالضبط لهذه الفوضى التي كانت قطع الطُرق وحرق الممتلكات إمتداداً من إمتداداتها ، ففي الفترة الماضيّة لاحظَ روّاد المنتديات الهجوم الشرِس ضد من كان السبب في إحراق الممتلكات في صُحار الجَميلة ، ومحاولة الدّمج مع المتظاهرين السلميّين لعلَّه لإيصال رسالة الى الشارع بصورة مشوَّهة عن ثقافة التظاهر المشروع . هنالك خلفيات ودوافع قد يتورّط فيها الكثير من الناس سيما المتنفذين في القرار السياسي أن لو تم البحث بجديّة عن مصادر التخريب ، ومما نعاني منه كمواطنين ووطن هو غياب مراكز للدراسات الوطنيّة تُعنى بدراسة الظواهر الدخيلة على الوطن ، والحالات الهجينة على المجتمع العماني ، حتى يسهل احتوائها والوقاية منها ، فقط هي مجموعة من الاجتهادات الفرديّة الغير منظمة ، تقوم بتحليل هذه الظواهر والقضايا .

فالتخريب : هو حالة من الرغبة في إفراغ شحنات نفسيّة سلبية متراكمة أدّت الى تكوين قناعات ونفسيّات سيئة للغاية ، ثم إحداث ضرر ما ماديّ أو معنويّ لغاية ما أو بدون غاية ، و التعامي في أغلب الأحيان عن عواقب السلوك .

ما يعنينا هو أنه لا جديد بالنسبة للتخريب ، سوى ظهوره على سطح العالم المرئي بهذا الشكل المشوّه من قبل أن كان مطموراً في الباطن في السنوات الماضية ، ممّا أشكل على الناس تصور أبعاده ومسبّباته ، وأدّى إلى حصر مفهوم التخريب الى تداعياتِه . علينا أنّ ندرك تماماً حلقات المسلسل بالكاملْ، فالمخرّب الحقيقي ليس الذي يُكسّر ويُدمّر الممتلكات ويُحرِّق المزارع ويقطِّع الشوارع فحسبْ ، المخرّب الحقيقي قد يكون متخفي في أجمل مظهر ، ولا يظهرُ عليه آثار أيّ تخريب ، وقد يَحوز على أفضلِ الشهادات ويعتلي أرفع المناصبْ ، المخرّب الحقيقي يحمل دماغاً كفيل لتدمير العالم ، كان بإمكانه أن يسخّره لمنفعةِ وطنهِ وناسهِ ، لكنها رداءةُ النفس ودناءةُ المعنى ، فقد تراه بثوبِ التاجرِ الثريّ ، وقد تراه بثوب الوزيرِ الغنيّ ، وقد تراه بثوبِ المتدينِ الزهيّ ، تعددتِ الأشكال والخرابُ واحدُ ، ومن مظاهرِ التخريب :

1.التخريب الإقتصاديّ : له قسمان رئيسيان :
أ‌) جشع التّجار : الجشع والمبالغة في حُبّ المال والنَّهم الشديد لزيادة الأرقام الفلكيّة في أرصدة البنوك ، جرّهم الى التجرّد من معاني الإنسانيّة والخروج من نطاق المشروع في جني المال ، يرون الحياة مجموعة من كُتل ماديّة وأغراض شهوانيّة ، لا يمكن تحقيقها الا إذا تحوَّلت الى وحشٍ كاسر ، يتاجرون في أي شيء يجني المال دون الالتفات الى المحظورِ الشرعيّ أو حتى الإنسانيّ ، نستطيع أن نحصر ممارساتهم في عدة نقاط :
- التوغُّل في السيطرة على مفاصل الإقتصاد لإرغام الحكومة الى التجاوب لأهدافهم .
- إغراء المسؤولين الكبار بإمتلاكِ حصص بسيطة من أعمالهم التجارية لعل بعضها ما يسمى بالشراكة الفخريّة ، لمد أذرع الأخطبوط الذي يَطالُ كلّ أركان الدولة .
- إحتكار العمل التجاري بين مجموعةٍ من التجّار ، ومنافسة التاجر المبتدئ حتى في البقاّلة الصغيرة .
- الإمتناع عن أداء الزكاة التي هيَ ركنٌ من أركانِ الدين الحنيف ، والتي بتفعيلها تتقلَّص الفوَّهَة بين طبقةِ الأغنياء والفقراء ، ويتم القضاء على الفقر تدريجيّاً .

-الإحجام عن تبني أيّ مسؤوليّةٍ خيريّةٍ للمجمتع كالمبادراتِ التطوّعيّة ، مراكز علميّة ، صحيّة ، رعاية مرضى ، كفالة أيتام ، دعم الزّواج ، بناء مساكن للأُسر الفقيرة و ... ، لا يوجد أي بصمة حقيقيّة ، يكمن الإعتبار بها ، الا ما رحم ربي .
- التلاعب في أسعار السِّلع دون وجود أي مبرّر حقيقي مما يُفضي الى إتساع البون بين طَبقة الأغنياء والفقراء .

ومنْ تداعِيات هذا التخريب إنتقال ثقافة المحسوبيّة والرِشوة والدّعارة والخَمر الى الفقراء ، وهذا يقودُنا الى تخريب أعظم وهو التخريب الإجتماعيّ والأخلاقيّ ..

ب‌) فساد إدارة الإقتصاد الوطنيّ : نستطيع أن نلخص هذا الجانب في هذه العِبارة : ( الوزير التاجر ، والتاجر الوزير ) ، أصبح البعض من المسؤولين في الدولة يُشغل منصبه الحيوي في كيفيّة الخروج بعد هذا المنصب بأكبر الغنائم وكأنّ الوطن عبارة عن مجموعة من القطعان في مزرعة كبيرة ، يرعاها بعض الرُعاة الذين يتنافسون في أخذِ أكبرِ نصيب من القطيع ، وهذ ما حَصل بالضبطْ طِوال الفترةِ الماضية ، أصبحَ المسؤول يوطّد علاقتهُ بالتجّار الكبار ويحذو حَذوهم ويشاركهم في جريمةِ سحل المواطن والوطن ، فلا يأبَه في المواطن وصحته ومصلحته في إنشاء أي مشروع ، فيصرّح لإنشاء مصنع مثلاً بالقرب من مساكن الناس التي تنبعث منه المواد السّامة ليل نهار ، في سبيل أن ينال قِطعة من الكعكة ، والمواطن ... من للمواطن ؟ أصبح المواليد يولدون بأمراض ضيق التنفس والربو ، ولنا في مصنع الاسمنت بمسقط ، وميناء صحار خير مثال ..

ومن أبشع مظاهر التخريب الإقتصادي في السلطنة هي إخضاع نظام الصيرفة على الربا ، وإعتماده طوال السنوات الفائتة كنظام أوحد ، لا يحتمل أي نظام آخر ، الذي حرّمة الإسلام تحريما قطعيّا لا جدال فيه ، بل وصل الى أعلى درجات الزجر والتقريع من المولى عز وجل ، فلا تجد عملاً مشينا في القرآن الكريم توعد مرتكبه بحرب من الله ورسوله الا الربا ، فقال : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلَمون } فكيف لإنسان أن يرتقي ويتقدم ويسعد وقد أعلن الحرب مع خالقه ، بل يصل الحال الى منع أي نظام صيرفي آخر ، ويأتي أحدهم ويتبجّح في إحدى الصحف ، ويقول لا يوجد نيّة لتدشين أي بنك إسلامي في السلطنة .

المشكلة أنَّ صاحبَ القرار مثل من يقبَع عند منبعِ الماء ، يستطيع أن يفسد المياه التي تجري القنوات المتشعّبة بمجرد إفساده لمياه المنبع ..
وهذا حالُ المسؤول الفاسد ، فهو يرى فساد الصَعيد الذي يُشغله لا يكفي لتحقيق مآربه ، فلو أن مسيرة التعليم مثلاً استمرّت بشكلها الطبيعي ستخرّج كوادر ذات كفاءات عالية ، واعية حقوقيّا ، مثقفة قانونيّا ، منفتحة للعالم ، وهذا ما يقضُّ مضْجعَ المسؤول الفاسد ، لأنه سيعرقل مسيرة التخريب ، وقد يُحتّم عليه مثلاً إصدار قرارات بتعمين المناصب العُليا في الشركات مما سيؤدي الى عرقلة عمليِّة النَّهب الممنهجة بين التاجر والمسؤول ، وهذا إن لم يكن التاجر نفسه المسؤول ، وسينقاد الى تخريب آخر وهو ( التخريب التعليمي ) والشواهد المُنصرمة في المؤسسة التعليميّة أوضحت باستفاضة مدى مستوى التخريب الدّال على فعلِ فاعل . فالنّاظر الى خطّة التعمين يرى أنها تستهدف الوظائف والمِهن الدنيا ، بحجّة أنَّ الكوادِر غير متهيّئة للوظائف والمسؤوليات العليا . وبالتّالي تنحصر فرصة التطوير والإنفتاح لدى العمانيين في الوظيفة ويبقى الموظف يلف في ذات الفَلَك .

ومن نتائج هذا التخريب هو عدوى الفساد بالتدريج من الأعلى الى الأسفل ، ينزل قليلاً قليلاً حتى يطال السلم الوظيفي بأسره .
فلا مكان للرجل الصالح في هذه البيئة الفاسدة ، مهما كانت كفاءَتهِ وقدراتهِ وإخلاصهِ لوطنه ، فهو حاله كمن يسبح ضدّ التياّر إما أن يستسلم ويخوض مع الخائضين ، وإما أن يحتسب ويصبر ويصارع لإستخراج لقمة عيشه نظيفة وكأنه يخرجها من فم أسد .

2.التخريب الإعلامي : يمكن القول أن الإعلام هو ضحيّة من ضحايا هذا التخريب رغم الإصلاحات الجيّدة التي طالته مؤخرا ، إلّا أن آثار السنوات الماضية لا زالت باقية وستحتاج الى بعض الوقت لمسحها ، إن كانت هناك فعلا نيّة للتغيير ، فالإعلام المرئي محصور في التلفزيون الحكومي الذي يتوقف عرضه في توجّهات أصحاب القرار في الحكومة ، أما الإعلام المسموع ومحطات ال أف أم ، فهي تتشابه بنسبة 90% مع بعضها ، فلا يوجد سوى رقص وإثارة جنسية وتهييج مشاعر الشباب ، حتى الهويّة العمانيّة ألغيت في بعض المحطات ، فلا تسمع إلّا تقمص ساذج للهجات الدول الخليجيّة وكأن لهجات الوطن الأصيلة مدعاة للسخرية ، أما الإعلام المكتوب كالصحف اليوميّة والمجلّات ، في تعدو كونها إنعكاساً لمنظومة الإعلام العامة ، بإستثنا بعض الصحف التي حاولت أن تغرّد خارج السرب وقد دفعت ثمن النشاز الذي أحدثته في سيمفونيّة الإعلام البالية .

وأهم ما يدندن به الإعلام الذي ساهم في عمليّة التخريب :

أ‌) تضخيم وتهويل منجزات الحكومة الى حد اللامعقول ، تحت ذريعة الإعلام التنموي ، والتعامي عن القصور الكبير في المنجزات نفسها الذي لو نوقش بشفافيّة سيحدث ثورة في المنجزات ، وليست منجزات عاديّة فحسب .
ب‌) إخراس أفواه النقد والمعارضة ، وهذا في الحقيقة يعبّر عن مدى رجعيّة هذه العقول ، فالنقد والمعارضة يعتبر حالة صحيّة ضرورية ، لبناء دولة المؤسسات ، فالإختلاف سنّة كونيّة موجودة منذ وجود الإنسان وهي صفة بارزة في أفضل المجتمعات تحضرا ، وهي تعبر عن حالة من الوعي والإدراك الذي يدفع فئة من الشعب لإظهار المثالب التي لا بد من إظهارها للقضاء عليها ، فلا يمكن القضاء على أي مشكلة دون الإعتراف بوجودها والوقوف عليها والحديث عنها ، فكما يقول أحدهم : "القادح فينا خير من المادح" لأن القادح سيظهر عيوباً قد تكون غير معروفة ، والمادح لا يبين إلا ما قد تم إنجازه ، أما أسلوب تكميم الأفواه فهذا تعدي على ممتلكات الآخرين ، فالتعدي على حريّة الآخرين لا يقل خطورةً عن التعدي على الممتلكات الماديّة .

التخريب الديني : يقال أن إهمالك للشيء ، إفسادك له ، والجانب الإصلاحي بالكلمة من أعظم الجوانب الإصلاحيّة ، وتقصيرك فيه يعد تخريبا في حد ذاته ، وكما يعلم القارئ الكريم أن الإسلام دين الحياة وهو يستهدف كل الإصعدة والمجالات ، وإختزال المؤسسة الدينيّة مسألة الإصلاح في جانب المناسك الشعائريّة ( العبادات المحضة) ، وإهمالها جانب المسالك المدنيّة ( العبادات الغير محضة) يعدّ تقصيرا في تبليغ الرسالة السماويّة ، وإخلالاً بتوازن مقصد رسالة الإسلام ، فلا نرى أي منبر من منابر الدعوة الإسلاميّة سواء في خطب الجمعة والمحاضرات والندوات و غيرها من المحافل فيها يناقش بجرأة الداعية المعروفة مظاهر الفساد السياسيّة وغيرها ، فقد كانت آثار قضيّة التنظيم السرّي تلاحق المشايخ والدعاة ، حتى تكاد تشكل عقدة لدى البعض ، فأصبح هذا الجانب مهمل أيّما إهمال ، مما أتاح للمخربين في البلد التمادي في التخريب ، فلو تحدثنا عن خطب الجمعة فهي لا تعدوا كونها خطب ممللة جامدة ، لا تأبه لواقع ما يعيشه الناس من ألام ومعاناة ، فهي لا تفي بأغراضهم ، ولا تهدئ من روعهم ، تتكلم عن مثاليات خالية من الكلمة المؤثرة والأداء القوي ، ثم الدعاء وأقم الصلاة ، وهكذا في باقي الوسائل ، الا المحاولات الفرديّة من قبل بعض الدعاة الذين يحاولون توجيه رسائل مناوشة بشيء من الحذر .

في ظل هذه السيمفونيّة التخريبيّة التي لا تقبل بأي صوت نشاز يفسد عليها المعزوفة ، فإنه من الطبيعي أن يتولّد جيل بل أجيال تتابع هذه الممارسات سواءاً بشكل أو بآخر ، فالبعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير ، والصلاح يولّد صلاحاً ، وهكذا الفساد . فحتى نستطيع أن نحمي بلادنا من أي متمثل في قطع الطرق وتدمير الممتلكات علينا أن نجتث الفساد من جذوره .

وهناك الكثير من الجوانب التي لم يتم يذكرها ، ولعل ماذكر هو البارز لدينا أو على الأقل لدى الكاتب ،وهنا ينبغي التنويه أن هناك إصلاح قائم ، وتغيير ملموس ، على الأقل في إزالة بعض رموز الفساد في الدولة ، يعيد لنا الشعور بالتفائل نحو مرحلة جديدة من مكافحة التخريب بجميع ألوانه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق