الاثنين، 19 مارس، 2012

في التسلط وإعاقاته,سعيد بن سلطان الهاشمي



كثيرة وعميقة، هي الآثار والإعاقات التي يولدها التسلط والاستبداد، في

الانسان والمجتمع. خاصة مع طول المدة، وتناقص الضمائر الحرة المُذكرة

بخطورة هذا الداء، والكاشفة لعواقب هذا السرطان، والذي يقضي على الحاكم

قبل المحكوم. ولعل أوضح تلك العلل؛ العجز الذي يصيب الانسان دون أن يشعر،

حيث يصبح ملجوم اللسان، مشلول الحركة، بسبب قرفه وحيائه مما يتعرض له من

سوء معاملة، فيعجز عن الدفاع عن حقوقه، بل الأدهى من ذلك، يضطر إلى جانب

كونه ضحية، إلى وصف نفسه بأنه المذنب.

كما أن الناس استمرأت الخوف من السلطة، وخشية مراقبتها، رهبة من بطشها،
وطمعاً في مكافأتها، والتي هي حقوقهم في الأصل. و اكتفى عموم الناس
ومثقفوهم بالإدانة الهامسة، والصبر الجميل ، علّ الخالق يأتي بالفرج
والمعافاة من التسلط والجبروت والإستبداد والإقصاء من السماء. وفي
إعتقادي فإن هذا الأمر يعود الى أسباب عدة؛ منها: تقصير الناس في حق
انفسهم واهمالهم لمسائل وعيهم ويقضة أفهامهم, وتبنيهم لأحكام جاهزة –
سلبية في مجملها- تعفيهم (كما يظنون) من تبعات مسؤولياتهم العامة تجاه
وطنهم. فمن السهل جدا، بل من المتعة احيانا ان تشارك في وصف الحاكم أو
الوزير أو الموظف العام بأنه لص أو فاسد أو مستبد. خاصة وإن كانت الدائرة
الضيقة التي ينتمي اليها الفرد تتلذذ بهذا النوع من الأحاديث, وتشيع فن
التذمر والشكوى، حيث تبدأ النفس تماشي الكلام السائد، وتستمتع به، لأن
الطريق الآخر وعرٌ، وشاق؛ إنه طريق التثبت، والبحث، والتقصي عن الحقائق،
والذي يحتاج دائما الى صبر وحلم وعلم وروية، ويحتاج إلى منارات حُرة،
كالصحافة والإعلام، أضواؤها الكاشفة لا تغفل عن تعرية أي استغفال للناس.
إلا أن ذلك يستوجب بالضرورة، التيقظ الدائم، والفهم المستنير، وهذا
الأخير بالذات، هو ثمرة العمل، ونتيجة الجهد، فبقدر ما تبذل من عمل؛
يرتقي ويترسخ الفهم, وإلا سيكون كشجرة برية شعثاء، لا تكاد تلفت الأنظار.


وهناك سبب آخر مكّن التسلط من بث سمومه، طوال هذه الفترة، و هو الصفات
السلبية للشخصيات التي راهنت عليه السلطة عندنا في العقود الماضية,
فالنماذج الأولى التي أسست للنظام السياسي شكله وملامحه, لونت السياسة
بألوانها الباهتة، وأسبغت عُقدها، القبلية، والمادية، والنفسية على
المشهد العام. فبقدر شعور هذه الشخصيات بأهمية دورها التاريخي، وقدرتها
على الفصل بين الخاص والعام، واستشعارها لجسامة المهمة والدور الذي تقوم
به, خاصة في مجتمع بسيط، ينتقل ببطء من طور القبيلة الى طور الدولة. أقول
بقدر إيمان هذه الشخصيات بدورها المؤسس، ونُبل رسالتها تكون النتيجة.
وهنا تبرز مسؤولية الحاكم في معايير إختياره لرجاله ونسائه؛ فإن اختارهم
على مقياس العطاء، والكفاءة والتميز والأخلاق الرفيعة، ووضع لهم مسطرة
معلنة للحساب والمساءلة؛ سادت مشاعر الإيجابية، والثقة، و شاعت الطمأنينة
والأمان عند بقية أبناء الوطن. وإن ترك مسائل اختيارهم وفق أهواء وأمزجة
متقلبة، أو توازنات متوهمة، أو مصالح ضيقة؛ لنفسه، ولمن حوله من حاشيته
ورجالات أمنه؛ عاش هو في وهم الإنجاز والإبداع والعظمة. بينما صورة
النظام في عقول الناس وفي قلوبهم تتآكل وتتحلل كلما تقادم الزمان,
والأخطر من ذلك؛ أن الأجيال المتأخرة, ستكون مسكونة بمرض مزمن وهو، فقدان
الثقة، وإهتزاز الأمل، و سوء الظن المعززبالخوف من المستقبل؛ لأنها قلقة
من ضياع كل شيء في لحظة، ولأنها لم ترى تحويل هذا الإنجاز الى مؤسسات
راسخة، تتجاوز الفرد مهما بلغ نفوذه، الى الوطن بمصالحه، وتطلعاته.

سبب آخر جذر إعاقات التسلط، هو ممارسات وسلوكيات أركان النظام وموظفيه؛
سواءً العامة وفق أدوارهم، ووظائفهم، أو الخاصة بما رشحت به تصرفاتهم
وتعدياتهم على المال العام. ففي غياب الرقابة الصارمة، فقدت الدولة
هيبتها من تراكم تجاوزات صغار الموظفين، ومباركات كبار المسؤولين. ولا
يحتاج الأمر هنا إلى بيوت خبرة لقياس هذا الاشكال؛ فالمواطن في هذا
المقام، من أكثر المجسات التقاطا لعدالة النظام، وفساده. دعك من الخطاب
الإعلامي الذي يسعى أيما نظام الى إحكام وتجميل صورته من خلاله.
فباستطاعت أي إنسان، يعيش في أقصى قرى البادية والريف؛ أن يستشعر كفاءة،
وصلاح النظام؛ من خلال سعيه الى تخليص معاملة خدمية بسيطة, فإن هي تيسرت،
فتلك إحدى دلائل الحرص على هيبة النظام واحترامه، وحيوية منفذيه. وإن هي
تعسرت فهذه علامة تقصير، وخراب بادئ بالزحف من الأطراف باتجاه الرأس.


ومن إعاقات التسلط المزمن كذلك؛ سهولة استفزاز أركان النظام وموظفيه. لأن
الخطوط الفاصلة بين الشخصي والعام غير واضحة، ولا مؤصلة، في ممارسات
الحكم وأصول الإدارة. فبإمكان مسؤول ما تحويرغضبه من شخص سواء كان موظف
في دائرة تأثيره، أو مواطن حر؛ الى قضية كرامة، وإهانة وظيفة عامة، أو
تصويرها على أنها مؤامرة للنيل من هيبة الدولة. بينما الوطن والدولة
معاً، لا دخل لهما هنا. الإشكال أن هذا المسؤول غير المدرك لواجباته في
الأساس، قد اختزل الوطن البريء في شخصه المريض ليس إلا. يقول جون لوك:"
الشرطي الذي يجاوز حدود سلطاته يتحول إلى لص أو قاطع طريق.. كذلك من
يتجاوز حدود السلطة المشروعة. سواء أكان موظفاً رفيعاً أم وضيعاً، ملكا،
أم شرطياً. بل إن جرمه يكون أعظم إذا صدر عمن عظمت الأمانة التي عُهد بها
إليه..".

يبدو أن كثرة المكوث في كراسي السلطة تنسي البعض عظمة الامانة الملقاة
على عاتق الموظف العام مهما بلغت رتبته. أو ربما غياب العقوبة. حيث يقول
(لوك) في مناسبة ذلك: " يبدأ الطغيان عندما تنتهي سلطة القانون، أي عند
انتهاك القانون، وإلحاق الأذى بالآخرين". نحتاج إلى تنزيه الدولة من
أمزجتنا المتقلبة، كما يجب علينا الفصل بين أهوائنا وتطلعاتنا الخاصة،
وبين المصلحة العامة. إن ذلك ليس بالأمر اليسير؛ نحتاج لبلوغ ذلك؛ إشتغال
حقيقي على ذواتنا، وتحريرها من شهوة الاستحواذ، خاصة عند إختبارها بمنصب،
أو وظيفة تخدم البشر. كما نحتاج بالتوازي إلى إصلاح مؤسسي وتشريعي؛
دائبٌ، ودائم؛ علنا نصل إلى نظام يجنبنا إعاقات التسلط، على الأقل، في
حدوده الدنيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق